بسم الله الرحمن الرحيم
قصص وعبر*
محمد المنصور الشقحاء:
* * * في تفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي لسورة القصص قال ( الآيات المستحقة للتعظيم والتفخيم " آيات الكتاب المبين " لكل أمر يحتاج إليه العباد، من معرفة ربهم، ومعرفة حقوقه، ومعرفة أوليائه وأعدائه، ومعرفة وقائعه وأيامه، ومعرفة ثواب الأعمال، وجزاء العمال، فهذا القرآن قد بينها غاية التبيين، وجلاها للعباد ووضحها )
ويقال: السعيد من اعتبر بغيره، والشقي من أعتبر به غيره ولهذا قال المفسرون: الاعتبار هو النظر في حقائق الأشياء وجهات دلالتها ليعرف بالنظر فيها شيء آخر من جنسها
والإلهام قد يكون بطريق الكسب، وقد يكون بطرق التنبيه
ومن المطالب حرية الرأي والتعبير عنه بالوسائل المشروعة مصونة، ولكل إنسان ممارسته في حدود مبادئ الشريعة وقيم الأخلاق مثل الدعوة بالحكمة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بمفرده ومع غيره في ممارسة هذا الحق والدفاع عنه لصالح المجتمع وخيره
ويروي سعيد بن المسيب عن علي أنه سأل رسول الله قائلا: الأمر ينزل بنا بعدك لم ينزل فيه قرآن، ولم يسمع منك فيه شيء، فقال: اجمعوا له العالمين من أمتي، واجعلوها بينكم شورى، ولا تقضوا فيه برأي واحد.
مثال تحدث عنه الشيخ سلمان بن فهد العودة قال حفظه الله: فقد ذكرنا مجموعة من الكتب التي نشرت في أمريكا، وهي تتحدث عن سقوط أمريكا وانهيارها وتراجع اقتصادها. فمفهوم التقهقر الغربي يعالج، ويطرح على خطورته وعلى حساسيته، والكتب والصحف والمجلات أصبحت تتناوله بوضوح؛ لأنهم يدركون أن السكوت عن هذا أو إغماض الأعين لا يعني أن الغرب أصبح يترقى، ولا يعني أن ألانهيار توقف.
أما نحن المسلمين فنقول دائما وأبدً: نحن بخير وجميع الأمور على ما يرام.
من هنا: يأتي رهان مطلب المجتمع المدني من خلال مؤسساته ( مثل هذا المركز ) كرؤية فكرية تتعلق بالتحديث ومواكبة العصر في بحثه العلمي وبحثه الإنساني في مجال التطور والتحديث وتجاوز العوائق التي تسعى إلى اعتساف لواقع اجتماعي بقيم وعادات فرضنا عليها المسوح الرهبانية حتى نعيق الحوار والبحث عن مخرج يؤد الفتنة ووهم انخرام وحدة الأمة وينمي ضمان المصالح من خلال التوسع في الحقوق والتزام الجميع بالواجبات فالشريعة لا تميل إلى حرمان المسلم من حريته.
ونتحدث بقلق ( هل حقوق الإنسان غير صحيحة ) لأنها موضع انتهاك أو تجاهل في أماكن مختلفة من عالمنا اليوم في خصوصيتنا الثقافية التي نخشى عليها من مفهوم العالمية التي يراها البعض ملمح أساسي في بناء السلطة الاستعمارية بما تختزنه في حقيقتها من أدوات للقهر والسيطرة.
بعد هذه النقاط أتمنى منكم مساعدتي: في الاستفادة من الوقت بطرح سؤال أو تعليق نتحاور معه من أجل تحقيق جزء من الهدف الذي معه جاء تأسيس المركز.
وقد كنت أفكر إن النقاط التي تشغل بالي من خلال تجربتي كأديب كتب القصة القصيرة والمقالة وشاركت في لجان أدبية وثقافية عامة إن منجزنا الثقافي والأدبي مهمل من قبل مؤسساتنا مثل المكتبات العامة والأندية الأدبية وفروع الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون وإهمال الدور الثقافي والاجتماعي في الأندية الرياضية وانصراف أبناؤنا عن الكتاب والمجلة المتخصصة من طلاب المدارس إذ لا يوجد وازع ثقافي يعي المواهب وينمي القدرات داخل المدرسة وإذا وجد يتوقف عند نهاية اليوم الدراسي كما أن المسجد أصبح معزولا عن محيطه إذ لا يرتبط بمصليه من الجيران ولا يتفقدهم عند الغياب لمرض أو سفر أو انتقال فقد فصلناه عن دوره الاجتماعي التربوي وحصرناه في الجانب ألعبادي بكل أسف بينما الإسلام مكتمل.
من خلال الدراسات الأدبية عن المنجز الأدبي نثر وشعر لدينا كتب عده صدرت غنية بما تعج به المكتبة العربية في مجال الرواية يقول الدكتور سلطان بن سعد القحطاني في كتابه الرواية في المملكة العربية السعودية ( وقد خرجنا من الدراسة بنتائج تبشر بظهور رواية واعدة، بعد أن بدأ الاهتمام بها كنوع أدبي له خصوصياته وأصوله وقيمته الأدبية ) وفي كتابه النثر الأدبي في المملكة العربية السعودية قال الدكتور محمد عبد الرحمن الشامخ ( وإذا كان هذا البحث قد أشاد بما حققه الكتاب السعوديون لأدبهم من تطور وتجديد، فان ظروف البيئة قد روعيت في ذلك ) وهذا مصداق لقول الدكتور عمر الطيب الساسي في البحث الخاص بالأدب العربي السعودي ألذي جاء في كتابه دراسات في الأدب العربي ( إن من يمعن في تاريخ الأدب المعاصر في هذه البلاد يلاحظ كيف استطاع أدباء هذه البلاد أن يتزودوا بالعلم والمعرفة ) ولا ننسى في هذه الورقة دور الدكتور محمد بن سعد بن حسين وكتابه القيم الأدب الحديث تاريخ ودراسات وتخصيص الجزء الثاني للنهضة العلمية والأدبية في المملكة العربية السعودية متناولا بدايتها وعواملها التربوية والاجتماعية.&&
______________
لجنة التنمية الاجتماعية بحي الوادي / ديوانية الحي بعد غرب يوم الثلاثاء 12 / 3 / 1431*
المنحوسة
وتذكرة السفر إلى القدس
وتلفتُّ حولي ، أبحث فيهم عن شيء غير الصورة التي شدت بصري ، من أول خطوة خطوتها داخل المعسكر ، وتناثرت أسئلتي على الأرصفة المغبرة تسأل المارة عن حقيقة ما أشاهد . كان يطل من عيون الجميع الجوع واللهفة .. الخشية ومسامير الترقب تملأ الأحداق دماً ..
أخذت أبحث عنهم، كان كل همي أن ألتقي بأكبر مجموعة من الصبيان أسألهم هل يحبون الحرب، وماذا يتمنى كل واحد منهم. سيفاً أم بندقية. أم دبابة. أم وردة وقلماً وقرطاساً..؟
أخذ أحدهم يبكي وهو يستمع كلماتي.. سألته العجوز الواقفة ..
ـ لماذا .. ؟
ـ ألا تعلمين ؟ إن الطائرات كانت هنا .. ولم يبق من أسرته أحد..
ـ الطائرات كانت هنا .. ؟
ـ أجل أنت لست صحيفة .. كيف نحن سكان الخيام المحتاجين لقطعة رغيف ، نعلم ، وأنت لا تدرين ، رغم وجود الراديو معك وباستطاعتك اقتناء الصحف والمجلات ..
ـ آسفة يا سيدتي..
ـ وماذا يفيد الأسف ، أنت آسفة لأنك لا تهتمين بالآخرين لكن ماذا يجري مع الآخرين أولئك الذين لا همَّ لهم سوى إبادتنا نحن ، هربت وحيدة ، طوحني الهواء ، أخذ يدفعني هنا وهناك حتى وصلت إلى الجسر .. كنت أتلفت حولي أبحث عن رفيق أو مؤنس للطريق لأني أخشى غدر شيخوختي ، كان الجميع هناك .. ينتظرون .. يمضغون اللبان .. ويتعارفون رغم أن فوهات البنادق مصوبة إلى صدورهم، وببسمة الأطفال المتعلقين بأكتاف آبائهم وأمهاتهم، حاولت أن أبكي، ولكن دموعي التي شاركتني الطريق استعصت عليّ هذه المرة لا أدري لماذا.. لكن عرفت أخيراً أنها الكبرياء .. كنت أتحدى تلك البنادق والفوهات المصوبة . تلك الأحذية القذرة التي تتحكم في مصير هذا الكوم من البشر الفارين من ديارهم . كلنا نبحث عن خيمة . وسعيد الحظ من كان أحد أفراد أسرته يعمل في الكويت أو السعودية أو ليبيا أو حتى في البرازيل .
وانسحبت العجوز قبل أن أعرف شيئاً عن الطفل الباكي، وأخذت أتأمل قصتها. مصيرها أنها وحيدة وهذا الطفل وحيد. وتخلصت من المتكومين حولي ، وأخذت أسير على غير هدى أتحدث مع نفسي . نسيت آلة التصوير والقلم والأوراق .. أصبح رأسي مسجلاً يسجل كل شيء حتى صراخ الأطفال .. حديث السيدات على الأرصفة ومن النوافذ المتهرئة ، والرجال المتكومون أمام الأبواب حول راديو صغير . الريح القاسية . البرد القارص..
كنت أحاول شيئاً لم أستطع حتى هذه اللحظة معرفته وفجأة قفزت الصورة أمام ناظري. كانت العجوز تتكلم مع الصبي أمام صنبور الماء وهي تغسل وجهه وتقبل جبينه ثم تشده من يده وتواصل طريقها جاذبة الجمع المتكوم حول صنبور الماء .. كان الخرير الناعس يفرض هيبته على الموقف ..
ـ إنها منحوسة ..
ـ من .. ؟
ـ هذه العجوز. إن نحسها سوف يلاحق الصبي . كل المجموعة التي حضرت معها ماتوا وبقيت هي. وذلك الصبي يجب انتزاعه منها قبل أن تأتي الطائرات..
لا أدري أي شيء هذا ولكنني وجدت هذه القصاصة أمامي فاغرة فاها تمد لي يدها لانتزاعها من على الطريق.. إنها صورة من الصور المفروضة على أمتنا والتي يريد العالم تكرارها، ويجد العالم فيها شيئاً ما لإزجاء الوقت. أنتم يا شباب العالم فكاهة (...)؟ كانوا يتسكعون على الأرصفة .. وتحت ظلال المسجد الأقصى.. وكل ما عليكم هو شراء تذكرة سفر إلى القدس إلى أورشليم.. لمشاهدة بعلبك، ومدائن صالح..
فحضارة الغرب تتسكع هنا .. والمنارات لا زالت قائمة ممشوقة في عنان السماء.. بصقت العجوز بمرارة وهي تجرجر الصغير وراءها ..
ـ إني تعب يا جدتي ؟ ..
قال ذلك وهو يرفع عينين خطف الرعب بريقهما. وهمَّ أن يقول شيئاً ما، لكنها صدمته بصمتها، فلم يقل شيئاً وأخذ يجرجر خطاه وراءها.
كانت الغيوم تتلبد في السماء بينما هبت نسمة تحمل رائحة الأرض الطيبة . كانت خطواتهما واضحة على الأرض وابتعدا رويداً رويداً ، وسرعان ما ابتلعهم المعسكر .&&
* * *
اليتيم
جاء صوت أخيه أمرا. فكان أن ذهب رغم انفه إلى منزل الأستاذ عبد العزيز للقيام بخدمته وخدمة والدته وزوجته وطفلهما الرضيع.
لم يتجاوز الثالثة عشر. نحيل الجسد ارتبط بالفاقة واليتم من سنته الثانية، يعيش متنقلا بين منزل أخيه وأمه المتزوجة، ومع هذه الظروف كان ناجحا في دراسته متقدما على أقرانه.
بينما كان يصب القهوة ذات ليلة لحظ مدرس الفقه الضرير بين الحضور. ارتبك ولم يهتم بالأمر، وأدرك إن المدرس شم رائحته وسوف يفضحه في الفصل بين زملائه بأنه خادم في منزل أحد الوجهاء.
ورافق أخر الضيوف إلى منزله في حي أخر. لإحضار العدد الأول من صحيفة يومية جديدة، كانت الساعة العاشرة من ليلة شتائيه هجر المارة فيه الطرقات، عاد يمشي وحيدا عبر طريق طويل ووجد عبد العزيز قد أندس في فراشه.
استقبلته الوالدة بعطف وخوف. لفت حول جسده البارد بطانيتها ودعته للجلوس أمام المدفأة في غرفتها.
تنبه على صوت الزوجة التي وقفت فوق رأسه بثوب نومها الشفاف. وهو يدعك عينيه متفحصا ألقت في حضنه زوج جرابات. . طالبة منه غسلها بسرعة.
دعك الجوارب بين يديه ثم عقدها حول حبل غسيل ممتد في فناء الدار. ثم أخذ يداعب الطفل الذي أقبل نحوه في عربة تساعده على المشي.
أرتفع صوت شجار من داخل الدار بين المرأتين. تلفت حوله طبع قبلة على جبين الصغير وخرج. &&
* * * *
النجاح
أخذت تركض في أرجاء الدار. نجحت أخيراً؛ لم تفكر في نسبة التقدير، كان همها اجتياز عقبة فشلت في تخطيها خمس مرات، ولما شعرت بالتعب دخلت غرفتها ونامت.
أقلق تأخرها الجميع. أسرعت أمها وإحدى أخواتها، استقبلتهما رائحة عبقة وابتسامة صغيرة.
هزتها أختها كانت متصلبة وباردة. لقد أسلمت الروح منذ كان انتصارها.& &
الإسفلت
توقف عند خطوط عبور المشاة لامرأة وثلاثة أطفال.اجتاز الثلاثة الإسفلت وارتقوا الرصيف.
أما هي فقد دهمتها سيارة لا تعرف الانتظار. ولم يتوقف قائدها حتى صدم عمود الإضاءة، الفجيعة كانت فوق احتماله فتوقف قلبه.& &
المسـجـد
وقف عند فتحة الباب ، تنقلت نظراته بين إسفلت الشارع الذي تراكم عليه التراب ، وكوم المخلفات في الأرض المحاذية للمسجد الجديد المقابل لمنزله ، وقد تأخر افتتاحه بسبب عدم وفاء فاعل الخير الذي لم يف بوعده فأخذ أهالي الحي يساهمون في إنجاز ما تبقى .
مد أحدهم الكهرباء وساهم آخر بالماء وتوسط ثالث لدى شركة من أجل تعبيد الممرات حول المسجد .
باب المسجد مفتوح وصبيان الحي يتراكضون للدخول . تذكر أن جاره قال قبل يومين: سوف نصلي المغرب يوم الخميس بالمسجد أغلق الباب واتجه إلى المسجد .
عندما حاذى النوافذ سمع المصلين يقولون “آمين"، مد الخطى ودخل. لحق الإمام راكعاً ، أكمل ما فاته من الصلاة . تلفت حوله كان المصلي الوحيد . & &
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق